الأحد 02 يوليو 2017 م - 7 شوال 1438 هـ
  • بنك مصر
  • بنك مصر

صلاح أحمد إبراهيم.. الشعر ينساب من الجنوب

صلاح أحمد إبراهيم.. الشعر ينساب من الجنوب
2017-06-20 15:44:23


شاعر ليس معروف لدينا، لم نسمع عنه في كتب المدارس أو جامعاتنا المصرية، ربما لكونه عمل بالسياسة واختلف مع بعض الأنظمة في السودان، وربما لأننا نجهل امتدادنا الطبيعي، وننظر للجنوب نظرة تشوبها العنصرية حتى في الأدب والثقافة، كأننا لا ننتمي لهذه الجذور، قد كان هذا الشاعر مفاجأة بالنسبة لي، لم يهمني ان أقرأ الكثير عن حياته وتاريخه السياسي أو الدبلوماسي فقط بحثت عن شعره الذي أحدث لي حالة من حالة المتعة واللذة التي تحدث عنها رولان بارت، وحزنت أنني لم أتعرف على مثل هذا الشاعر وأنا في مرحلة مبكرة من حياتي، فقد جاء تعرفي به عن طريق صديقة سودانية نشرت له بيت من قصيدة لفت نظري ودخل القلب وشغل التفكير، سألتها عنه فأرسلت لي قصيدة فبحثت عنه ونهلت من شعره ما نهلت، وما زلت أستمتع بما كتب، فآثرت أن أشرككم معي في التعرف على هذا الرائع.
صلاح أحمد إبراهيم ، شاعر ودبلوماسي سوداني شهير وأحد رواد مدرسة الغابة والصحراء ومن المجددين في الشعر. ولد في مدينة أم درمان، السودان في أواخر شهر ديسمبر، 1933م.
تخرج في جامعة الخرطوم كلية الآداب. ينتمي صلاح احمد إبراهيم إلى أسرة ذات باع طويل في السياسة حيث كانت أخته فاطمة أحمد إبراهيم هي من أوائل النساء اللاتي كنَ عضوا في البرلمان السوداني, انتمي صلاح احمد إبراهيم في بداياته الفكرية إلى الحزب الشيوعي السوداني ثم فصل بعدها على خلفية صراع بينه وبين سكرتير الحزب وقتها عبد الخالق محجوب.
عمل صلاح احمد إبراهيم استاذاً في جامعة اكرا ، بغانا كما عمل بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السودانية وانتدب للعمل في المندوبية الدائمة للسودان لدى الأمم المتحدة في نيويورك 
تقلد منصب سفير السودان لدى الجزائر وترك المنصب احتجاجا على سياسة نظام الرئيس السوداني جعفر النميري، ومن ثم انتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس وكتب لعدة صحف ومجلات تصدر بفرنسا.‏
عمل خبيراً ومستشاراً لدى سفارة دولة قطر في باريس.
يعد صلاح أحمد إبراهيم واحدا من الأدباء السودانيين والعرب الذين قاموا بتوظيف الرموز الأسطورية في بناء القصيدة للتعبير عن افكار ومعان ورؤى بطريقة غير مألوفة في الأدب العربي. وهو بذلك يحسب ضمن جماعة الديوان مثل بدر شاكر السياب و عبد الوهاب البياتي و علي أحمد سعيد الملّقب أدونيس (وهو اسم اغريقي).واتسمت اشعاره بالأفكار القطعية القوية. كما يعد من جماعة ابولو الشعرية . وكان صلاح من أكثر الشعراء العرب استخداما للميثولوجيا الإغريقية ويتجلى ذلك في قصيدته «مَرِيّا». التي يقول فيها:
ليت لي إزميل فيدياس وروحا عبقرية
وأمامي تل مرمر لنحت الفتنة الهوجاء في مقاييسك تمثالا مكبر
ويقول أيضاً:
ليتني في قمَّةِ الأولمب
جالس وحواليَّ العرائس
وأنا في ذُروة الإلهام
بين المُلهماتْ
أحتسي خمرةَ باخوس النقيَّة
ويتوغل في الميثولوجيا:
ما لعشرينين باتت في سعير تتقلب
ترتدى ثوب عزوف
وهي في الخفية ترغب
وبصدرينا بروميثيوس في الصخرة مشدوداً يعذب
فبجسم الف نار وبجسم الف عقرب
وغداً تنفخُ في أشرِعتي أنفاسُ فُرْقة
وأنا أزدادُ نأياً مثْل يوليس وفي الأعماق حرقة
مؤلفاته
ألف صلاح أحمد إبراهيم عدد من دواوين الشعر منها:
غابة الأبنوس في عام 1959 م.
غضبة الهبباي
نحن والردى
محاكمة الشاعر للسلطان الجائر
اشترك مع علي المك في اصدار مجموعة قصصية بعنوان «البرجوازية الصغيرة»
شارك في ترجمة كتاب «الأرض الآثمة» ( بالإنجليزية Guilty land ) ، تأليف باتريك ‏فان رنزبيرج
في غابة الأبنوس الصادر في نهاية الخمسينات 1959م اتسمت تجاربه
الشعرية بعكس قضايا البؤساء والكادحين وتصوير معاناتهم وقصيدته
(عشرون دستة) هي أًدق مثال لذلك وهي تعبِّر عن مصير مجموعة
مزارعي جودة الذين ماتوا اختناقاً في عنبر السجن الضيق لأنهم طالبوا
بحقوقهم:
لو أنهم حزمة جرجير يعد كي يُباع
لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة
ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة
وبان فيها الاصفرار والذبول
بل وُضِعوا بحذر في الظل في حصيرة
في (غضبة الهبباي) ديوانه الثاني والصادر عقب ثورة أكتوبر –
ضمنه غضبته لما يدور في بلاده – انتكاسة أكتوبر –
وما يدور في قارته من قهر للشعوب، وما يدور في العالم من فعل
الديكتاتوريات التي بسطت نفوذها في العالم ومن خلفها الإمبريالية
العالمية، استمع إلى هذا الحزن النبيل عند اغتيال أحد مناضلي أفريقيا
الكبار لوممبا:
كما تذبح خرفان الضحية
ذبحوه وحديد القيد
مازال على رسغ الشهيد..
مطبقاً يحفر أخدوداً..
وماءً وصديد
مات لكن صار أٌقوى منه حياً.
والآن مع قصيدة عيناك تلك الرائعة التي جذبتني لهذا الشاعر العظيم والتي يقول فيها:
و رميت رأسي في يدي
ما تنفع الشكوى ، وشعرك 
جف بالشعر الخيال 
و كأن راسي في يدي 
روحي مشقشقة بها عطش 
شديد للجمال 
وعلى الشفاه الملح واللعنات 
و الألم المحنط بالهزال 
وكان رأسي في يدي 
ساقاي ترتجفان من جوع 
ومن عطش ومن فرط الكلال 
وأنا أفتش عن ينابيع الجمال 
وحدي بصحراء المحال 
بسراب صحراء المحال 
بسموم صحراء المحال 
أنا والتعاسة والملال 
وكان رأسي في يدي 
والمركبات تهزني ذات 
اليمين أو الشمال 
والمركبات تغص بالنسوان 
واللغط الشديد وبالرجال 
وكان رأسي في يدي 
مازال يقذفني اللعين كأنه 
الغربال من أقصى 
اليمين إلى الشمال 
وبقلبي الأمل المهشم والحنين 
إلى الجمال 
والوحشة الغرَّاء والنور 
المكفن بالطلال 
وخلو أيامي ورأسي في يدي

ورفعت رأسي من جحور كآبتي 
وأدرت عيني في المكان 
وكنت أنت قبالتي 
عيناك نحوي تنظران 
عيناك ... وأخضر المكان 
وتسمرت عيناي في عينيك 
ما عاد المكان أو الزمان 
!! عيناك بسْ 
ومسكت قوس كمانتي 
عيناك إذ تتألقان 
عيناك من عسل المفاتن جرتان 
عيناك من سور المحاسن 
آيتان 
عيناك مثل صبيتين 
عيناك أروع ماستين 
( هذا قليل ( 
عيناك أصدق كلمتين 
عيناك أسعد لحظتين 
(هذا أقل ( 
عيناك أنضر روضتين 
عيناك أجمل واحتين 
( ما قلت شيء ( 
عيناك أطهر بركتين من 
، البراءة 
نزل الضياء ليستحم بها 
فألقى عند ضفتها رداءه 
الفتنة العسلية السمراء 
والعسل المصفى والهناء 
وهناك أغرق نفسه 
( عجز الخيال ( 
عيناك فوق تخيلي 
فوق انطلاق يراعتي 
فوق انفعال براعتي 
عيناك فوق تأملي

ومضيت مأخوذاً وكنت قد 
اختفيت 
من أنت ؟ ما اسمك يا جميل ؟ 
وكنت من أي الكواكب قد أتيت 
وقد اختفيت

ما زلت تملأ خاطري مثل 
الأريج 
كصدى أهازيج الرعاة تلمه 
خضر المروج 
كبقية الحلم الذي ينداح عن 
صبح بهيج 
ومضيت مأخوذاً وكنت قد 
اختفيت 
ومضت ليال كالشهور فما 
ظهرت ولا أتيت 
وأنا أسائل عنك في الليل 
القمر 
وأنا أفتش في ابتسامات 
الرضا ... لك عن أثر 
في كل ركن سعادة لك عن أثر 
في كل نجم خافق 
في كل عطر عابق 
في كل نور دافق 
لك عن أثر

حتى لقيتك أنت تذكر في 
ضحى من غير ميعاد وغير تعمد 
ولمحت وجهك فجأة وظللت 
مشدوهاً بهول المشهد 
وتزلزلت روحي ونطَّ القلب 
يهتف صائحاً 
هو نفسه ... هو نفسه 
وتفتَّح 
وكأن ليلاً أصبح 
ووقفت في أدب وفي فرط 
احتشام 
ومددت كفي بالسلام 
لكن كفك في الطريق ترددت 
وتعثرت 
وامتد في عينيك ظل توجس 
وكأنما كفي حرام 
وكأنما قتلت حسيناً ، أو رمت 
بالمنجنيق قداسة 
البيت الحرام 
لكنني لم أنبس 
وخنقت في صدري كلام 
وحبست في حلقي ملام 
ومضيت مغتاظاً أضمد 
مهجتي 
ألم من فوق التراب كرامتي 
وأسب يوماً كنت تجلس 
أنت فيه قبالتي 
ولكم دعوتك .. كم دعوتك 
بيد أنك لم تلبي 
ما زلت تخشى أن ترى 
نوري وتغرق نورك الوضاح في 
أرجاء قلبي 
وتخاف لمس أناملي 
وتخاف قلبك أن يجيب ، 
تخاف من خطوات حبي 
لك ما تشاء !! .. فلسوف 
أغلق جنتي 
ولسوف أطفئ نورك الخابي 
وأوقد شمعتي 
ولسوف أطرد طيفك المغرور 
أنفيه لأقصى بقعة 
ولسوف أتركه لتنهشه 
مخالب غضبتي 
والمُّ من فوق التراب 
كرامتي 
وأسب يوماً كنت تجلس 
أنت فيه قبالتي 
حتى لقيتك أنت تذكر من 
جديد 
في ذلك الركن القصي بذلك 
البلد البعيد 
إذ جئت تخطر نحونا وكان 
وجهك يوماً عيد 
ماذا يريد ؟ 
وهفا الفؤاد ... هفا ؟ فقمت 
نهرته 
وهتفت ما شأني به 
وزجرته 
وذكرت أنك طالما عذبته 
وأهنته 
ولويت رأسك يا عنيد 
وأتيت مبتسماً وفي عينيك 
ألوان الحنان 
ماذا هناك ؟ 
ومددت كفك بالسلام 
لا لم تعد تلقي يداه الاتهام 
وتقول كفاه بأن يدي حرام 
لا لم يعد 
ودفنت في أرجاء كفك 
راحتي 
وضممتها ... وضممتها 
ورميت قلبي في ذراعي بهجة 
وحمدتُ يوماً كنت تجلس 
أنت فيه قبالتي.
توفي صلاح أحمد إبراهيم في 17 مايو 1993م.

أُضيفت في: 20 يونيو (حزيران) 2017 الموافق 25 رمضان 1438
منذ: 11 أيام, 17 ساعات, 30 دقائق, 32 ثانية
0
الرابط الدائم
موضوعات متعلقة

التعليقات

500809
البنك الأهلي المصري
البنك الأهلي المصري